حين يختل الميزان بقلم الدكتور جميل الزعبي

قراءة
أخر تحديث : السبت 23 يونيو 2018 - 1:53 مساءً

بكثيرٍ من الغيظ رحتُ أحدّثُ صاحبي عمّا يجُرُّ عليّ سلوكي هذا من متاعب. قلت له: لقد عدّني بعضُ الناس مصاباً بالوسواس، ووصفني آخرون بأني شخصٌ أشُذُّ عن المألوف أو -على الأقلّ- أحملُ السّلّم بالعَرض. لقد نصحني الأصدقاء بالعدول عن هذا الطبع الغريب، قالوا لي: “إذا انجنّوا رَبعَك عقلَك ما بنفعَك”، لكني لا أستطيع فكاكاً من طبعي، إذ أجدُ نفسي مجبولاً عليه، ثم إنني أعُدُّ “إماطة الأذى عن الطريق” واجباً دينياً وأخلاقياً وحضارياً لا يمكنني التخلي عنه، وليس بوسعي المساومة عليه، فأنا -مثلاً- لا أُلقي من نوافذ سيارتي بالكؤوس البلاستيكية الفارغة أو الملآنة ولا المناديل الورقية ولا قشور المكسّرات ولا سواها، وأحتفظ دوماً بأكياس خصصتها لمثل هذه النفايات، كما أعكفُ على إصدار فرمانات لأولادي أُلزِمهم من خلالها باتّباع قواعد النظافة في الشوارع والحدائق والأماكن العامة وغيرِها، حتى إنني أفرضُ عقوباتٍ رادعةً على المخالفين منهم.
سردتُ لصاحبي بمرارةٍ أيضاً أمثلةً من معاناتي جرّاءَ هذا الطّبع: ففي الربيع الفائت، وفي شارع محفوف بالأشجار والزهور، بينما كنتُ أقودُ سيارتي على مهل، فاتحاً نوافذَها الأربع، أتنسّمُ الهواءَ العليل المحمّل بعبق الورد والياسمين، إذا بي أُفاجَأ ببصقة على جبيني، تلاها رذاذُ بصقةٍ أخرى على وجهي، فيما أخطأتني الثالثة لأني سارعتُ إلى إغلاق النوافذ، فالسائق الذي أمامي كان يُطِلُّ برأسه من نافذته بين الحين والآخَرِ ليعطّرَ الجوّ بهذا الكمّ المتتابع من البصقات، ولأنني أمتلك حِسّاً مرهفاً بالمسؤولية -كما أزعُم- فقد مددتُ إليه يدي بعلبة المناديل بمنتهى اللباقة، لكنه ردَّ بعصبية: “شو قلّة هالحيا هاي، واللهِ معي فاين بِشتريك إنت وِلّي خَلّفوك”. ومرةً ألقى أحد السائقين بمحتوى “متَكّته” من أعقاب السجائر في الشارع الرئيسي، فتَبِعْتُه حتى أدركتُه، ثم دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الالتزام بآداب الطريق، فغضبَ وسألني متهكماً: “هو كاين الشارع لأبوك؟” ثم تجاهلني وأشاح بوجهه عني. وفي حادثة ثالثة شاهدتُ أحد المارّة يُلقي بقشرة موز على الأرض، فأقبلتُ عليه أذكِّره بمخاطر التزحلق بقشور الموز، بَدءاً بالرضوض والجروح، مروراً بالخلوع والكسور، وانتهاءً بارتجاج الدماغ وفقد الوعي فالموت، فوافقني الرأي مرافقُه وعقَّب: “ولا تنسَ أنّ النظافة من الإيمان”، لكني فوجئتُ بهذا الأخير بعد لحظاتٍ وإثرَ مشادّة كلامية له مع صاحبِه، يحتدُّ ويمزّقُ كلّ ما بحوزته من أوراق، ثم يدعس بعضَها برجليه، ويقذف بعضَها الآخَرَ في كلّ اتجاه!. وفي أحد المتنزّهات جمعتُ مخَلّفات رحلة عائلتي في أكياس ثم وضعتها في حاوية للنفايات، وحين غادرَ آخرون ولم يفعلوا كما فعلت، استوقفتُ بعضَهم وذكّرتُهم بواجب الحفاظ على بيئة نظيفة، لكنهم لم يلتفتوا إلى كلامي، بل لقد تناهى إلى سمعي عبارةٌ تنعتني بأنّي (بيّاع مثاليّات).
اسهبتُ برواية فصول شتّى كهذه لصاحبي، وهو يتثاءب ويستمع بلا مبالاة ودون أي تعليق، وحين سئمَ وهَمَّ بالانسحاب أقسمتُ عليه ألّا يغادرَ حتى أروي له الفصلَ الأخير فلبّى وهو يصارعُ النوم. شرعتُ أُكْمِلُ له وقلت: بينما كنتُ اليوم بسيارتي في طابورٍ طويل، أنتظرُ كغيري إشارةَ شرطيّ المرور لنا بالعبور، أحصيتُ أربعَ سياراتٍ ألقى سائقوها أو ركابُها بالأوساخ من النوافذ إلى الشوارع، لَفَتُّ نظَرَ الشرطيّ إلى مخالفاتهم فتجاهلَها، وقال لي ببرود: “من راقبَ الناس ماتَ هَمّاً”. ولأني أحمل السلّم بالعرض -كما قالوا عني- فإني لم أستطعْ كبحَ جِماحِ نفسي، فنزلت من سيارتي لالتقاط ثلاثِ (عُلَب ببسي) فارغة كان ألقاها سائقُ التكسي العمومي الذي أمامي، انحنيت لرفعها ووضعِها في كيسٍ بيدي، دون توجيهِ أيِّ ملاحظةٍ للفاعل هذه المرة، فقد تعلمت دروساً من سابقاتها، قلت في نفسي: “سلوكي هذا أفضل من كل المحاضرات، ورُبَّ إشارة أبلغ من عبارة”، رمقني السائق بنظرة ملؤها الإشفاق، ثم هزَّ رأسَه عدة مرات كأنما يرثي لحالِ منكوب وقال: “حتى الأطباء صاروا يجمعون علب الببسي الفارغة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية”!.. أظنه شاهدَ شارة الطبيب على سيارتي من خلال المرآة.
تنبَّهَ صاحبي الذي كنت أحدّثُه فجأةً، ثم رمقني بنظرةٍ حادّة وقال معاتباً: “مستاهل يا دكتور، شو مِستَنّي حتى تحَسِّنْ سلوكَك؟”!!!.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وقع الكلمة NEWS الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.