بني هاني يكتب عن: اقتصاديات الفشل

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 13 أكتوبر 2018 - 8:32 صباحًا
بني هاني يكتب عن: اقتصاديات الفشل
د.عبدالرزاق بني هاني
من عادة علماء الاقتصاد، وبخاصةٍ علماء اقتصاديات التنمية Economics if Development ، أن يطرحوا سؤالاً هاماً جداً، عن قرارات وخيارات الأفراد والجماعات … يتعلق هذا السؤال بماهية المؤسسات institutions التي يبنيها هؤلاء الأفراد والجماعات، ودور الدولة الحاضنة لهم، في بناء المؤسسات اللازمة ونوعيتها، في سبيل تحقيق أهدافها …
تأتي المؤسسات على هيئتين أساسيتين: مؤسسات لا شكلية informal institutions ومؤسسات شكلية formal institutions …
تضم المؤسسات اللا شكلية عادات المجتمع وتقاليده وأعرافه … والطريقة التي يتواصل بواسطتها الأفراد والجماعات داخل المجتمع (أي الدولة بصيغتها الاجتماعية والسياسية) …
أما المؤسسات الشكلية فتضم دستور البلاد وقوانينها، وأنظمتها التشريعية، والقرارات الصادرة بموجب كل التشريعات …
تأخذ كل مؤسسة، شكلية كانت أم لا شكلية، صفة واحدة (شكل) من صفتين: إما مؤسسة حميدة فاعلة good and effective أو مؤسسة سيئة فاعلة bad and effective …
يقول علماء الاقتصاد، الذي أنعم الله تعالى عليهم بالقدرة على التنبؤ، بأن مدى وعمق ونوعية وماهية المؤسسات التي يبنيها الأفراد والجماعات هي التي تُحدد مسار وشكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع … أي أن التنمية وعمقها يعتمدان على نوعية المؤسسات وعمقها …
من طبيعة المؤسسات أنها تتغير وتتبدل مع الأيام … فإما أن تقوى نحو الأفضل أو تضعف نحو الأسوأ … ما يعني بأن التنمية تقوى أو تنحسر تباعاً …
عندما أحلل ظاهرة المؤسسات التي بناها المجتمع الأردني، بدعم ٍ فعلي من النظام السياسي، أجدُ ما يُنبئني بمسار التنمية … فقد وجدت على وجه التحديد بأن التنمية في الأردن أخذت مسارين مُتضادين: مسار إلى الأعلى ببطء وذلك خلال الفترة من 1921 إلى 1990 … سادت خلال هذه المدة مؤسسات حميدة منها تقديس العمل وحب الإنتاج والإقبال على التعلم والمعرفة وصياغة القوانين الحميدة الدافعة للإنتاج وصناعة الحياة …
أما فترة الانحسار والتردي فقد بدأت منذ مطلع عقد الـ 1990 حيث تراجعت قيم الإنتاج وحب العمل … وصاغ المشرعون قوانين طاردة للمؤسسات الحميدة … وأخذ الفساد بشكله القبيح يتراقى وينتشر تدريجياً …
في خضم ذلك انتقل المجتمع الأردني من حال تبني المؤسسات الحميدة الفاعلة نحو حال تبني المؤسسات السيئة الفاعلة …
انتشر الكذب وتزيين السيء والنفاق وتراخي قيم الإنتاج، إلى مستويات غير مسبوقة في أي مجتمع قرأت عنه … وقد غلب على هذه المرحلة وإلى الآن شغف المسؤولين بالترقيع وشراء الوقت وتضييع الجهود …
لا تنهض الأمم من غير مؤسسات حميدة … ومن غير مؤسسات حميدة يُدَمَر الاقتصاد والمجتمع … ويسود السيئون …
نصيحتي إلى د. عمر الرزاز، إذا كنت صادق النية، ولأنك درست في جامعة هارفاد، أن تعود إلى ما قاله دوغلاس نورث Douglas North : إن المؤسسات الحميدة هي التي تبني الأمم وتطور الاقتصادات … والمؤسسات الرديئة هي التي تدمر الأمم وتحرق الاقتصادات وتفني الشعوب … وبخلاف ذلك لا تحلم إلا بالمزيد من السوء والتراجع … فالمؤسسات السيئة هي التي تصنع علم اقتصاديات الفشل … فإذا كنت صادق النية نحو البناء فعليك أن تبدأ بصناعة المؤسسات الحميدة الفاعلة … مهما كان الإنجاز ضئيلاً … وبخلاف ذلك أنصحك بالاستقالة … إلا إذا كنت من عُشاق المنصب ولو على خازوق … أو أنك جزءاً من التردي …
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وقع الكلمة NEWS الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.