فقراء في زمن العدل/ بقلم خالد قوقزة ابو علي

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 23 نوفمبر 2018 - 11:42 صباحًا
فقراء في زمن العدل/ بقلم خالد قوقزة ابو علي

حارات منسية – 11 –
————————-
حاراتنا المنسية لم يكن أهلها زناقيل ( أغنياء ) ، بل الطفر كان ضارب إطنابه فيهم ، وكانوا في ضنك وحرمان وقِلّة ، ورغم ذلك كانوا مباسيط ومكفيين حالهم ، وعندهم عِزّة نفس ، وما يمدوا أيديهم للغريب . كان كل شيء يملكه أهالي الحارات له قيمة وقدسية يُقدّرونه ويحافظون عليه ، ليس لأنه غالي الثمن ونفيس ، بل لأنهما كانوا يحصلون عليه بعد جهد وعناء وبصعوبة لا توصف ، فكانت لقمتهم بالحلال ومن عرق جبينهم
في أيام الصيف لم نستمتع أبناء الحارات المنسية بطعم العطلة الصيفية ، فعند آخر إمتحان في المدرسة كنا نعرف مصير العطلة ( الفيدوس ) كيف وأين سيكون ؟ فالأهالي قد سبقونا الى الحصيد وما علينا الا اللحاق بهم ، فيتم إستقبالنا بالمنجل ليكون أداتنا في حصد القمح ، وتُصرف على عهدتنا الدابة ( الحمار ) والقادم لرَجِد القش الى البيدر ، تمهيدا للدرس ومن ثم التذراية ، ويبقى على عهدتنا ومن مسؤوليتنا حتى نهاية الفيدوس ، فعليه نجلب الماء من العيون ، وهو الوسيلة لنقل الحب والتبن من البيدر الى القناطر حيث الكواير والتبّان .
ننتهي من الحصيدة وتوابعها . فنجد بإنتظارنا كرم العنب الذي بدأت ( النُقيدة ) في قطوفه . وصار لزاما علينا أن نقوم برشّه بالمبيدات اللازمة ( الفندول والفسفورنو ) ، فنتسلم عهدة أخرى وهي المضخات التي تحمل على الظهر والسموم ، وبعد الإنتهاء من الرش نبدأ بعملية تغطاية العنب بالعرن وبفِرچ الدوالي لكي لا تطاله الشمس فتلذعه بحرارتها . عند إستواء العنب نبدأ بعملية تقطيع العنب وتعبئته بالبكسات او بالسحاحير لنقلها الى الحسبة ، والتي كنا نذوق الأمَرّين في نقلها من الكرم الى جانب الطريق ، لنقوم فجرا بتحميلها ببكم الحج موسى الذي سيرسلها الى الحسبة .
حين كان يتحرك بِكم الحج وبرفقة والدنا كُنّا نرقُبه في الذهاب ونترقب عودته بفارغ من الصبر ، لأننا كنا نرى به حامل آمالنا واحلامنا ، وأية آمال تلك التي كنا ننتظرها ، فكانت لا تتعدى أمل الحصول على بنطال كاكي وقميص من الساتان فستدقي اللون وبوت الأصبع الجيكي ، ودفاتر وأقلام رصاص ومحايات وبراية لزوم السنة الدراسية الجديدة التي أضحت على الابواب ، واحيانا حلم لا يتعدى كيس ( ظرف ورقي ) مملوء بالجعيجبان او ملبس مخشرم او حامض حلو .
بعد الحصول على كسوة المدرسة ولوازمها كنا ننام ونحلم بإفتتاح المدرسة ليس حبا بالدراسة بقدر ما هو أنتظار اليوم الذي سنرتدي به الكسوة الجديدة والتباهي بها امام اقراننا .
لم يكن هناك اغنياء في مدرسة الحارات المنسية ، فكلنا كنا من طبقة ابناء الحراثين … فلاح ، مفلح ، عودة ، عواد ، عيسى ، عوض ، بطرس ، يوسف ، موسى … الذين احبوا الارض والوطن وورثوه من أباء وأمهات كانت قلوبهم مسكن للوطن قبل أن يسكنوا فيه ، وهنا كان يكمن عزاؤنا ، فلا يوجد بيننا ابن معالي او ابن عطوفة او ابن سعادة حتى فوزي ابن المختار كان يدرس بالمدينة وكافيزخيره وشرّه ، فكل اولاد الحارة بالهمِ شرقٌ… ..مصروف الجيبة لا يزيد عن القرش ، هذا إن مُنحنا مصروفا بالأصل… نذهب جميعنا للمدرسة مشيا ( كعّابي ) ونعود مشيا . فلا مرسيدس توصلنا ولا جيب تعيدنا ولا همَر نخرج رؤوسنا من شبابيكها متباهين امام من حُرِموا حتى من دابة يمتطون ظهرها بالشقلوب … غداءونا صحن من المريس مُزَيّن بخيط من الزيت مع رغيف إشراك و راس بصل فَغُش ، وان كانت الحال جيدة فكان الغداء مجدرة ، او شاكرية او جعاجيل ، ورغم ذلك كنا في غاية من السرور والسعادة لأن الألفة والمحبة وصفاء السريرة ونقاء القلوب كانت تطغى على الفقر والعوز والقِلة ، وأكثر من هذا وذاك فقد كانت حاراتنا تعيش حالة من العدل حتى في فقرها وقلّة حيلة أهلها .

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وقع الكلمة NEWS الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.